الفاتحة أم الكتاب … التفسير الكامل للشيخ الشعراوي

الفاتحة

سورة الفاتحة هي أول سورة في القرآن الكريم، و حسب العقيدة الإسلامية لا تصح صلاة المسلم بدونها، إذ أن قراءتها ركن من أركان الصلاة , وقد سمى نبي الله محمد (صلى الله عليه و سلم)سوره الفاتحة بـأم الكتاب وأم القرآن في عدة أحاديث ولا تصح الصلاة دون قراءتها.

اللهم إننا نسالك أن تغفر لنا إن اخطأنا أو نسينا , و ارحم جهلنا إن كان هناك خطأ فيما نقلنا

نسألكم الدعاء ……

نبذة عن سورة الفاتحة فاتحة الكتاب

سورة الفاتحة هي سورة مكية يبلغ عدد أياتها 7 آيات. وقد سميت هذه السورة بالفاتحة لأنها تفتتح القرآن أي أنها أول سورة فيه. ولسورة الفاتحة كما ذكر السيوطي في كتابه “الإتقان في علون القرآن”أكثر من عشرين أسم،وهذا يدل على شرفها لان كثرة الأسماء تدل على شرف المسمى.
ومن أسمائها:

الفاتحة و اسمائها
الفاتحة و أسماؤها

أم الكتاب
والشافية
والوافية
والكافية
والحمد
والسبع المثاني
وغيرها الكثير .

عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:(أم القرآن هي السبع المثاني والقرآن العظيم) .
وسورة الفاتحة تشمل جميع معاني القرآن الكريم ومقاصده فهي كمقدمة للقرآن ككل. فقد تحدثت عن العقيدة، والعبادة والاعتقاد باليوم الآخر والإيمان بالله عز وجل وصفاته،وأفردت الله عز وجل بالعبادة والدعاء وطلب الهداية إلى الطريق المستقيم.
و يؤمن المسلمون أن سورة الفاتحة تعلمهم كيفية التعامل مع الله فأولها ثناء على الله(الحمد لله رب العالمين)وآخرها دعاء لله بالهداية (اهدنا الصراط المستقيم).

الإعجاز العددي في سوره الفاتحة

عدد آيات سورة الفاتحة هو سبع آيات. الرقم سبعة له حضور خاص عند كل مؤمن , فعدد السماوات 7 وعدد الأراضين 7 وعدد أيام الأسبوع 7 وعدد الأشواط التي يطوفها المؤمن حول الكعبة 7.

وكذلك السعي بين الصفا والمروة 7 ومثله الحصيات التي يرميها المؤمن 7، والسجود يكون على سبعة أَعْظُم، وقد تكرر ذكر هذا الرقم في أحاديث المصطفى صلى الله عليه وسلم مثل: (سبعة يظلهم الله في ظله…، اجتنبوا السبع الموبقات…..) وغير ذلك مما يصعب إحصاؤه.

وهذا التكرار للرقم سبعة لم يأتِ عبثاً أو بالمصادفة. بل هو دليل على أهمية هذا الرقم حتى إن الله تعالى قد جعل لجهنم سبعة أبواب وقد تكررت كلمة (جهنم) في القرآن كله 77 مرة، وهذا العدد من مضاعفات السبعة.

لجهنم سبعة أبواب وتكررت كلمة (جهنم) في القرآن 77 مرة أي 7 × 11

تفسير سوره الفاتحة للشيخ الشعراوي

الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (2) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (3)}

فاتحة الكتاب هي أم الكتاب، لا تصلح الصلاة بدونها، فأنت في كل ركعة تستطيع أن تقرأ
آية من القرآن الكريم، تختلف عن الآية التي قرأتها في الركعة السابقة، وتختلف عن الآيات
التي قرأتها في صلواتك.. ولكن إذا لم تقرأ الفاتحة فسدت الصلاة، ولذلك قال رسول الله
صلى الله عليه وسلم: «من صلى صلاة لم يقرأ فيها أم القرآن فهي خداج ثلاثا غير تام»
أي غير صالحة.

فالفاتحة أم الكتاب التي لا تصلح الصلاة بدونها

والله سبحانه وتعالى يقول في حديث قدسي: (قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين
ولعبدي ما سأل.. فإذا قال العبد الحمد لله رب العالمين. قال الله عز وجل حمدني عبدي.
فإذا قال: الرحمن الرحيم، قال الله عز وجل: أثنى علي عبدي، فإذا قال مالك يوم الدين،
قال الله عز وجل مجدني عبدي.. فإذا قال إياك نعبد وإياك نستعين، قال الله عز وجل هذا
بيني وبين عبدي ولعبدي ما سأل.. وإذا قال: {اهدنا الصراط المستقيم صِرَاطَ الذين أَنْعَمْتَ
عَلَيْهِمْ غَيْرِ المغضوب عَلَيْهِم وَلاَ الضالين} قال الله عز وجل: هذا لعبدي ولعبدي ما سأل).

وعلينا أن نتنبه ونحن نقرأ هذا الحديث القدسي أن الله تعالى يقول:
قسمت الصلاة بيني وبين عبدي، ولم يقل قسمت الفاتحة بيني وبين عبدي،
ففاتحة الكتاب هي أساس الصلاة، وهي أم الكتاب.
جعل الله رحمته تسبق غضبه. وهذه رحمة تستوجب الشكر. فمعنى
{الرحمن الرحيم} في البسملة يختلف عنها في الفاتحة . فإذا انتقلنا بعد ذلك إلى
قوله تعالى: {الحمد للَّهِ رَبِّ العالمين} فالله محمود لذاته ومحمود لصفاته،
ومحمود لنعمه، ومحمود لرحمته، ومحمود لمنهجه، ومحمود لقضائه، الله محمود قبل أن
يخلق من يحمده. ومن رحمة الله سبحانه وتعالى أنه جعل الشكر له في كلمتين اثنتين هما:
الحمد لله.

الفاتحة
الفاتحة

والعجيب أنك حين تشكر بشرا على جميل فعله تظل ساعات وساعات..

تعد كلمات الشكر والثناء، وتحذف وتضيف وتأخذ رأي الناس. حتى تصل إلى قصيدة
أو خطاب ملئ بالثناء والشكر. ولكن الله سبحانه وتعالى جلت قدرته وعظمته نعمه
لا تعد ولا تحصى، علمنا أن نشكره في كلمتين اثنتين هما: الحمد لله

ولعلنا نفهم أن المبالغة في الشكر للبشر مكروهة لأنها تصيب الإنسان بالغرور والنفاق
وتزيد العاصي في معاصيه.. فلنقلل من الشكر والثناء للبشر.. لأننا نشكر الله لعظيم نعمه
علينا بكلمتين هما: الحمد لله، ومن رحمة الله سبحانه وتعالى أنه علمنا صيغة الحمد.

فلو أنه تركها دون أن يحددها بكلمتين.. لكان من الصعب على البشر أن يجدوا الصيغة
المناسبة ليحمدوا الله على هذا الكمال الإلهي.. فمهما أوتي الناس من بلاغة وقدرة
على التعبير. فهم عاجزون على أن يصلوا إلى صيغة الحمد التي تليق بجلال المنعم..
فكيف نحمد الله والعقل عاجز أن يدرك قدرته أو يحصي نعمه أو يحيط برحمته؟
ورسول الله صلى الله عليه وسلم أعطانا صورة العجز البشري عن حمد كمال الألوهية لله،
فقال: (لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك).

{مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (4) إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (5)}

إذا كانت كل نعم الله تستحق الحمد.. فإن {مالك يَوْمِ الدين} تستحق الحمد الكبير..
لأنه لو لم يوجد يوم للحساب، لنجا الذي ملأ الدنيا شروراً. دون أن يجازى على ما فعل..
ولكان الذي التزم بالتكليف والعبادة وحرم نفسه من متع دنيوية كثيرة إرضاء لله قد شقي
في الحياة الدنيا.. ولكن لأن الله تبارك وتعالى هو {مالك يَوْمِ الدين}.. أعطى الاتزان للوجود
كله.. هذه الملكية ليوم الدين هي التي حمت الضعيف والمظلوم وأبقت الحق في كون الله..
إن الذي منع الدنيا أن تتحول إلي غابة يفتك فيها القوي بالضعيف والظالم بالمظلوم هو أن
هناك آخرة وحسابا، وأن الله سبحانه وتعالى هو الذي سيحاسب خلقه.

والإِنسان المستقيم استقامته تنفع غيره؛ لأنه يخشى الله ويعطي كل ذي حق حقه
ويعفو ويسامح.. إذن كل من حوله قد استفاد من خلقه الكريم ومن وقوفه مع الحق والعدل.
أما الإنسان العاصي فيشقى به المجتمع لأنه لا احد يسلم من شره ولا احد إلا يصيبه ظلمه.. ولذلك فإن {مالك يَوْمِ الدين} هي الميزان.. تعرف أنت أن الذي يفسد في الأرض تنتظره الآخرة.. لن يفلت مهما كانت قوته ونفوذه، فتطمئن اطمئنانا كاملاً إلي أن عدل الله سينال كل ظالم.

على أن {مالك يَوْمِ الدين} لها قراءتان.. {مالك يَوْمِ الدين}.. وملك يوم الدين.
والقراءتان صحيحتان.. والله تبارك وتعالى وصف نفسه في القرآن الكريم بأنه: {مالك يَوْمِ الدين}..
ومالك الشيء هو المتصرف فيه وحده.. ليس هناك دخل لأي فرد آخر.. أنا أملك عباءتي..
وأملك متاعي، وأملك منزلي، وأنا المتصرف في هذا كله أحكم فيه بما أراه.
فمالك يوم الدين.. معناها أن الله سبحانه وتعالى سيصرف أمور العباد في ذلك اليوم بدون أسباب.. وأن كل شيء سيأتي من الله مباشرة.. دون أن يستطيع أحد أن يتدخل ولو ظاهراً.

{مالك يَوْمِ الدين}

الذين قالوا: {مالك يَوْمِ الدين} اثبتوا لله سبحانه وتعالى انه مالك هذا اليوم يتصرف فيه كما
يشاء دون تدخل من احد ولو ظاهرا: والذين يقرأون ملك.. يقولون أن الله سبحانه وتعالى
في ذلك اليوم يقضي في أمر خلقه حتى الذين مَلَّكَهُم في الدنيا ظاهرا.. ونحن نقول عندما
يأتي يوم القيامة لا مالك ولا ملك إلا الله.

الله تبارك وتعالى يريد أن يطمئن عباده.. انهم إذا كانوا قد ابتلوا بمالك أو ملك يطغى عليهم
فيوم القيامة لا مالك ولا ملك إلا الله جل جلاله.. عندما تقول مالك أو ملك يوم الدين.. هناك
يوم وهناك الدين.. اليوم عندنا من شروق الشمس إلي شروق الشمس.. هذا ما نسميه
فكليا يوما.. واليوم في معناه ظرف زمان تقع فيه الأحداث..

الفاتحة
الفاتحة

والمفسرون يقولون:

{مالك يَوْمِ الدين} أي مالك أمور الدين لأن ظرف الزمان لا يملك.. نقول أن هذا بمقاييس
ملكية البشر، فنحن لا نملك الزمن.. الماضي لا نستطيع أن نعيده، والمستقبل لا نستطيع
أن نأتي به.. ولكن الله تبارك وتعالى هو خالق الزمان.. والله جل جلاله لا يحده
زمان ولا مكان..

كذلك قوله تعالى: (مالك يوم الدين) لا يحده زمان ولا مكان..

ولقد دخل أحد الأشخاص على رجل من الصالحين.. وقال له: أريد أن أعرف..
أأنا من أهل الدنيا أم من أهل الآخرة؟.. فقال له الرجل الصالح.. أن الله أرحم بعباده،
فلم يجعل موازينهم في أيدي أمثالهم.. فميزان كل إنسان في يد نفسه.. لماذا؟..
لأنك تستطيع أن تغش الناس ولكنك لا تغش نفسك.. ميزانك في يديك.. تستطيع أن
تعرف أأنت من أهل الدنيا أم من أهل الآخرة.
قال الرجل كيف ذلك؟

فرد العبد الصالح: إذا دخل عليك من يعطيك مالا.. ودخل عليك من يأخذ منك صدقة..
فبأيهما تفرح؟.. فسكت الرجل..
فقال العبد الصالح: إذا كنت تفرح بمن يعطيك مالا فأنت من أهل الدنيا.. و اذا كنت تفرح
بمن يأخذ منك صدقة فأنت من أهل الآخرة.. فإن الإنسان يفرح بمن يقدم له ما يحبه..
فالذي يعطيني مالا يعطيني الدنيا.. والذي يأخذ مني صدقة يعطيني الآخرة..
فإن كنت من أهل الآخرة.. فافرح بمن يأخذ منك صدقة.. أكثر من فرحك بمن يعطيك مالا.
ولذلك كان بعض الصالحين إذا دخل عليه من يريد صدقة يقول مرحبا بمن جاء
يحمل حسناتي إلي الآخرة بغير أجر.. ويستقبله بالفرحة والترحاب.

وقوله تعالى: {مالك يَوْمِ الدين} هي أساس الدين..

لأن الذي لا يؤمن بالآخرة
يفعل ما يشاء.. فمادام يعتقد انه ليس هناك آخره وليس هناك حساب.. فمم يخاف؟..
ومن أجل مَنْ يقيد حركته في الحياة.
إن الدين كله بكل طاعاته وكل منهجه قائم على أن هناك حسابا في الآخرة..
وأن هناك يوما نقف فيه جميعا أمام الله سبحانه وتعالى.. ليحاسب المخطئ ويثيب الطائع..
هذا هو الحكم في كل تصرفاتنا الإيمانية.. فلو لم يكن هناك يوم نحاسب فيه..
فلماذا نصلي؟..
ولماذا نصوم؟..
ولماذا نتصدق؟

{إِيَّاكَ نَعْبُدُ}

عندما تقرأ قوله تعالى: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ} فالعبارة هنا تفيد الخصوصية.. بمعنى أنني إذا قلت
لإنسان إنني سأقابلك، قد أقابله وحده، وقد أقابله مع جمع من الناس. ولكن إذا
قلت إياك سأقابل.. فمعنى ذلك أن المقابلة ستكون خاصة.
الحق سبحانه وتعالى حين قال: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ} قصر العبادة على ذاته الكريمة.. لأنه
لو قال نعبدك وحدك فهي لا تؤدي المعنى نفسه.. لأنك قد تقول نعبدك وحدك ومعك كذا وكذا. ولكن إذا قلت {إِيَّاكَ نَعْبُدُ} وقدمت إياك.. تكون قد حسمت الأمر بأن العبادة لله وحده

فلا يجوز العطف عليها.. فالعبادة خضوع لله سبحانه وتعالى بمنهجه افعل ولا تفعل..
ولذلك جعل الصلاة أساس العبادة، والسجود هو منتهى الخضوع لله.. لأنك تأتي بوجهك
الذي هو أكرم شيء فيك وتضعه على الأرض عند موضع القدم. فيكون هذا هو منتهى
الخضوع لله.. ويتم هذا أمام الناس جميعا في الصلاة. لإعلان خضوعك لله أمام البشر جميعا.
ويستوي في العبودية الغني والفقير والكبير والصغير.. حتى يطرد كل منا الكبر والاستعلاء
من قلبه أمام الناس جميعا فيساوى الحق جل جلاله بين عباده في الخضوع له
وفي إعلان هذا الخضوع.

وقول الحق سبحانه وتعالى: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ} تنفي العبودية لغير الله..

أي لا نعبد غير الله ولا يعطف عليها أبدا.. إذن {إِيَّاكَ نَعْبُدُ} أعطت تخصيص العبادة لله وحده لا إله غيره
ولا معبود سواه.. وعلينا أن نلتفت إلى قوله تبارك وتعالى: {لَوْ كَانَ فِيهِمَآ آلِهَةٌ إِلاَّ الله
لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ الله رَبِّ العرش عَمَّا يَصِفُونَ} [الأنبياء: 22] وهكذا فإننا
عندما نقول {الحمد للَّهِ} فإننا نستحضر موجبات الحمد وهي نعم الله ظاهرة وباطنة
.. وحين نقول {رَبِّ العالمين} نستحضر نعم الربوبية في خلقه وإخضاع كونه..
وحين نستحضر {الرحمن الرحيم} فإننا نستحضر الرحمة والمغفرة ومقابلة
الإساءة بالإحسان وفتح باب التوبة..
وحين نستحضر: {مالك يَوْمِ الدين} نستحضر يوم الحساب
وكيف أن الله تبارك وتعالى سيجازيك على أعمالك..
فإذا استحضرنا هذا كله نقول: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ} أي أننا نعبد الله وحده..
إدن عرفنا المطلوب منا وهو العبادة.

وهنا نتوقف قليلا لنتحدث عما يطلقون عليه في اللغة (العلة والمعلول)
إذا أراد ابنك أن ينجح في الامتحان فإنه لابد أن يذاكر.

وعلة المذاكرة هي النجاح.. فكأن النجاح ولد في ذهني أولا بكل ما يحققه لي
من ميزات ومستقبل مضمون وغير ذلك مما أريده وأسعى إليه.
إذن فالدافع قبل الواقع.. أي أنك استحضرت النجاح في ذهنك.. ثم بعد ذلك ذاكرت لتجعل
النجاح حقيقة واقعة. وأنت إذا أردت مثلا أن تسافر إلى مكان ما فالسيارة سبب يحقق
لك ما تريد وقطع الطريق سبب آخر. ولكن الدافع الذي جعلني أنزل من بيتي واركب
السيارة وأقطع الطريق هو إنني أريد أن أسافر إلى الإسكندرية مثلا.. الدافع هنا وهو
الوصول إلى الإسكندرية.. هو الذي وجد في ذهني أولا ثم بعد ذلك فعلت كل ما فعلته لتحقيقه.
والله سبحانه وتعالى خلقنا في الحياة لنعبده..

مصداقا لقوله تبارك وتعالى:
{وَمَا خَلَقْتُ الجن والإنس إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ} [الذاريات: 56] إذن فعلّة الخلق هي العبادة..
ولقد تم الخلق لتتحقق العبادة وتصبح واقعا.. ولكن (العلة والمعلول) لا تنطبق على أفعال
الله سبحانه وتعالى.. نقول ليس هناك علة تعود على الله جل جلاله بالفائدة. لأن الله
تبارك وتعالى غني عن العالمين.. ولكن العلة تعود على الخلق بالفائدة..
فالله سبحانه وتعالى خلقنا لنعبده. ولكن علة الخلق ليس لأن هذه العبادة ستزيد شيئا
في ملكه.. وإنما عبادتنا تعود علينا نحن بالخير في الدنيا والآخرة.
أن أفعال الله لا تعلل، والمأمور بالعبادة هو الذي سينتفع بها.

ولكن…هل العبادة هي الجلوس في المساجد والتسبيح أو أنها منهج يشمل الحياة كلها..
في بيتك وفي عملك وفي السعي في الأرض؟.. ولو أراد الله سبحانه وتعالى

من عباده الصلاة والتسبيح فقط لما خلقهم مختارين بل خلقهم مقهورين لعبادته ككل
ما خلق ما عدا الإنس والجن.. والله تبارك وتعالى له صفة القهر.. من هنا فانه يستطيع أن
يجعل من يشاء مقهورا على عبادته.. مصداقا لقوله جل جلاله: {لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ أَلاَّ
يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ إِن نَّشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِّنَ السماء آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ}
[الشعراء: 3-4] فلو أراد الله أن يخضعنا لمنهجه قهراً لا يستطيع أحد أن يشذ عن طاعته..

وقد أعطانا الله الدليل على ذلك بأن في أجسادنا وفي أحداث الدنيا ما نحن مقهورون عليه.. فالجسد مقهور لله في أشياء كثيرة. القلب ينبض ويتوقف بأمر الله دون إرادة منا.. والمعدة
تهضم الطعام ونحن لا ندري عنها شيئا.. والدورة الدموية في أجسادنا لا إرادة لنا فيها..
وأشياء كثيرة في الجسد البشري كلها مقهورة لله سبحانه وتعالى.. وليس لإرادتنا
دخل في عملها.. وما يقع على في الحياة من أحداث أنا مقهور فيه.
لا أستطيع أن أمنعه من الحدوث.. فلا استطيع أن أمنع سيارة أن تصدمني..
ولا طائرة أن تحترق بي.. ولا كل ما يقع علي من أقدار الله في الدنيا.

إذن فمنطقة الاختيار في حياتي محددة.. لا أستطيع أن أتحكم في يوم مولدي..
ولا فيمن هو أبي ومن هي أمي.. ولا في شكلي هل أنا طويل أم قصير؟ جميل أم قبيح
أو غير ذلك. إدن فمنطقة الاختيار في الحياة هي المنهج أن أفعل أو لا أفعل. الله سبحانه
وتعالى له من كل خلقه عبادة القهر..

ولكنه يريد من الأنس والجن عبادة المحبوبية.. ولذلك
خلقنا ولنا اختيار في أن نأتيه أو لا نأتيه..
في أن نطيعه أو نعصيه. في أن نؤمن به أو لا نؤمن.
فإذا كنت تحب الله فأنت تأتيه عن اختيار. تتنازل عما يغضبه حبا فيه، وتفعل ما يطلبه حبا
فيه وليس قهرا.. فإذا تخليت عن اختيارك إلي مرادات الله في منهجه..
تكون قد حققت عبادة المحبوبية لله تبارك وتعالى.

والله تبارك وتعالى قرن العبادة له وحده بالاستعانة به سبحانه.. فقال جل جلاله:
{إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ}

أي لا نعبد سواك ولا نستعين إلا بك. والاستعانة بالله سبحانه
وتعالى تخرجك عن ذل الدنيا فأنت حين تستعين بغير الله فإنك تستعين ببشر مهما بلغ
نفوذه وقوته فكلها في حدود بشريته.
ولأننا نعيش في عالم أغيار فإن القوى يمكن أن يصبح ضعيفا.. وصاحب النفوذ يمكن أن
يصبح في لحظة واحدة طريداً شريداً لا نفوذ له.. ولو لم يحدث هذا. فقد يموت ذلك الذي
تستعين به فلا تجد أحدا يعينك.

ويريد الله تبارك وتعالى أن يحرر المؤمن من ذل الدنيا..

فيطلب منه أن يستعين بالحي
الذي لا يموت.. وبالقوي الذي لا يضعف، وبالقاهر الذي لا يخرج عن أمره أحد.. و إذا استعنت
بالله سبحانه وتعالى كان الله جل جلاله بجانبك. وهو وحده الذي يستطيع أن يحول ضعفك
إلي قوة وَذُلك إلي عز.. والمؤمن دائما يواجه قوي أكبر منه.. ذلك أن الذين يحاربون منهج الله يكونون من الأقوياء ذوي النفوذ الذي يحبون أن يستعبدوا غيرهم.. فالمؤمن سيدخل معهم في صراع..

ولذلك فإن الحق يحض عباده المؤمنين بأنه معهم في الصراع بين الحق والباطل.. وقوله تعالى: (وإياك نستعين) مثل: (إياك نعبد).. أي نستعين بك وحدك وهي دستور الحركة
في الحياة.. لأن استعان معناها طلب المعونة، أي أن آلإنسان استنفد أسبابه ولكنها خذلته.. حينئذ لابد أن يتذكر أن له ربا لا يعبد سواه. لن يتخلى عنه بل يستعين به..
وحين تتخلى الأسباب فهناك رب الأسباب وهو موجود دائما.. لا يغفل عن شيء ولا تفوته
همسة في الكون.. ولذلك فإن المؤمن يتجه دائما إلي السماء..
والله سبحانه وتعالى يكون معه.

{اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (6)
صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (7)}

بعد أن آمنت بالله سبحانه وتعالى إلها وربا.. واستحضرت عطاء الألوهية ونعم الربوبية
وفيوضات رحمة الله على خلقه. وأعلنت أنه لا إله إلا الله.
وقولك: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ} أي أن العبادة لله تبارك وتعالى لا نشرك به شيئا ولا نعبد إلا إياه..
وأعلنت انك ستستعين بالله وحده بقولك: {وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ}. فانك قد أصبحت من عباد الله. ويعلمك الله سبحانه وتعالى الدعاء الذي يتمناه كل مؤمن.. و ما دمت من عباد الله،فإن الله جل جلاله سيستجيب لك.. مصداقا لقوله سبحانه: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الداع إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لِي وَلْيُؤْمِنُواْ بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ} [البقرة: 186]

والمؤمن لا يطلب الدنيا أبدا.. لماذا؟..
لأن الحياة الحقيقية للإنسان في الآخرة. فيها الحياة الأبدية والنعيم الذي لا يفارقك ولا تفارقه.
فالمؤمن لا يطلب مثلا أن يرزقه الله مالا كثيراً ولا أن يمتلك عمارة مثلا.. لأنه يعلم
أن كل هذا وقتي وزائل.. ولكنه يطلب ما ينجيه من النار ويوصله إلي الجنة.
ومن رحمة الله تبارك وتعالى أنه علمنا ما نطلب.. وهذا يستوجب الحمد لله..
وأول ما يطلب المؤمن هو الهداية والصراط المستقيم: {اهدنا الصراط المستقيم}.

والهداية نوعان:
هداية دلالة و هداية معونة. هداية الدلالة هي للناس جميعا..

وهداية المعونة هي للمؤمنين فقط المتبعين لمنهج الله. والله سبحانه وتعالى هدى كل
عباده هداية دلالة أي دلهم على طريق الخير وبينه لهم.. فمن أراد أن يتبع طريق الخير اتبعه.. ومن أراد ألا يتبعه تركه الله لما أراد.

هذه الهداية العامة هي أساس البلاغ عن الله. فقد بين لنا الله تبارك وتعالى في منهجه
بـ افعل ولا تفعل ما يرضيه وما يغضبه.. وأوضح لنا الطريق الذي نتبعه لنهتدي.
والطريق الذي لو سلكناه حق علينا غضب الله وسخطه.. ولكن هل كل من بين له الله
سبحانه وتعالى طريق الهداية اهتدى؟.. نقول لا..

واقرأ قوله جل جلاله:

{وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فاستحبوا العمى عَلَى الهدى فَأَخَذَتْهُمْ صَاعِقَةُ العذاب الهون
بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ} [فصلت: 17] إذن هناك من لا يأخذ طريق الهداية بالاختيار الذي
أعطاه الله له.. فلو أن الله سبحانه وتعالى أرادنا جميعا مهديين..
ما استطاع واحد من خلقه أن يخرج على مشيئته. ولكنه جل جلاله خلقنا مختارين
لنأتيه عن حب ورغبة بدلا من أن يقهرنا على الطاعة..

ما الذي يحدث للذين اتبعوا طريق الهداية والذين لم يتبعوه وخالفوا مراد الله الشرعي في كونه؟
الذين اتبعوا طريق الهداية يعينهم الله سبحانه وتعالى عليه ويحببهم في الإيمان والتقوى
ويحببهم في طاعته.واقرأ قوله تبارك وتعالى: {والذين اهتدوا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقُوَاهُمْ} [محمد: 17] أي أن كل من يتخذ طريق الهداية يعينه الله عليه.. ويزيده تقوى وحبا في الدين
.. أما الذين إذا جاءهم الهدى ابتعدوا عن منهج الله وخالفوه.. فإن الله تبارك وتعالى
يتخلى عنهم ويتركهم في ضلالهم. واقرأ قوله تعالى: {وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ الرحمن
نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ} [الزخرف: 36]

الحق سبحانه وتعالى يقول: {اهدنا الصراط المستقيم} ما هو الصراط؟..

إنه الطريق الموصلة إلي الغاية. ولماذا نص على أنه الصراط المستقيم. لأن الله سبحانه
وتعالى وضع لنا في منهجه الطريق المستقيم.. وهو أقصر الطرق الى تحقيق الغاية..
فأقصر طريق بين نقطتين هو الطريق المستقيم. ولذلك إذا كنت تقصد مكانا فأقصر
طريق تسلكه هو الطريق الذي لا اعوجاج فيه ولكنه مستقيم تماما.
ولا تحسب أن البعد عن الطريق المستقيم يبدأ باعوجاج كبير.
بل باعوجاج صغير جدا ولكنه ينتهي إلي بُعد كبير.
ويكفي أن تراقب قضبان السكة الحديد.. عندما يبدأ القطار في اتخاذ طريق غير الذي كان
يسلكه فهو لا ينحرف في أول الأمر إلا بضعة مليمترات.. أي أن أول التحويله ضيق جدا

وكلما مشيت اتسع الفرق وازداد اتساعا. بحيث عند النهاية تجد أن الطريق الذي مشيت
فيه يبعد عن الطريق الأول عشرات الكيلو مترات وربما مئات الكيلو مترات..
إذن فأي انحراف مهما كان بسيطا يبعدك عن الطريق المستقيم بعدا كبيرا.. ولذلك فإن الدعاء: {اهدنا الصراط المستقيم} أي الطريق الذي ليس فيه اعوجاج ولو بضعة مليمترات..
الطريق الذي ليس فيه مخالفة تبعدنا عن طريق الله المستقيم.

لذلك فإن الإنسان المؤمن يطلب من الله سبحانه وتعالى أن يهديه إلي أقصر الطرق للوصول
إلي الغاية.. وما هي الغاية؟
إنها الجنة والنعيم في الآخرة.. ولذلك نقول يا رب اهدنا وأعنا على أن نسلك الطريق
المستقيم وهو طريق المنهج ليوصلنا إلى الجنة دون أن يكون فيه أي اعوجاج يبعدنا عنها

يقول الحق تبارك وتعالى: {صِرَاطَ الذين أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ} ما معنى الذين أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ؟

اقرأ الآية الكريمة: {وَمَن يُطِعِ الله والرسول فأولئك مَعَ الذين أَنْعَمَ الله عَلَيْهِم مِّنَ النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وَحَسُنَ أولئك رَفِيقاً} [النساء: 69] وأنت حين تقرأ الآية
الكريمة فأنت تطلب من الله تبارك وتعالى أن تكون مع النبيين والصديقين والشهداء
والصالحين.. أي أنك تطلب من الله جل جلاله.. أن يجعلك تسلك نفس الطريق الذي
سلكه هؤلاء لتكون معهم في الآخرة.. فكأنك تطلب الدرجة العالية في الجنة.. لأن كل
من ذكرناهم لهم مقام عال في جنة النعيم.. وهكذا فإن الطلب من الله سبحانه وتعالى
هو أن يجعلك تسلك الطريق الذي لا اعوجاج فيه. والذي يوصلك في أسرع وقت
إلي الدرجة العالية في الآخرة.

وبما أن المعاني لابد أن توجد أولا في العقل ثم يأتي اللفظ المعبر عنها.. فكل شيء
لا نعرفه لا توجد في لغتنا ألفاظ تعبر عنه. فنحن لم نعرف اسم التليفزيون مثلا إلا بعد أن
أخترع وصار له مفهوم محدد. تماما كما لم نعرف اسم الطائرة قبل أن يتم اختراعها..
فالشيء يوجد أولا ثم بعد ذلك يوضع اللفظ المعبر عنه. ولذلك فإن مجامع اللغات في
العالم تجتمع بين فترة و اخرى. لتضع أسماء لأشياء جديدة اخترعت وعرفت مهمتها.
ومادام ذلك هو القاعدة اللغوية، فإنه لا توجد ألفاظ في لغة البشر تعبر عن النعيم الذي
سيعيشه أهل الجنة لأنه لم تره عين ولم تسمع به أذن ولا خطر على القلب..
ولذلك فإن كل ما نقرأه في القرآن الكريم يقرب لنا الصورة فقط.
ولكنه لا يعطينا حقيقة ما هو موجود.

ولذلك

نجد الله سبحانه وتعالى حين يتحدث عن الجنة

في القرآن الكريم يقول: {مَّثَلُ الجنة التي وُعِدَ المتقون فِيهَآ أَنْهَارٌ مِّن مَّآءٍ غَيْرِ آسِنٍ
وَأَنْهَارٌ مِّن لَّبَنٍ لَّمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِّنْ خَمْرٍ لَّذَّةٍ لِّلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِّنْ عَسَلٍ مُّصَفًّى وَلَهُمْ فِيهَا
مِن كُلِّ الثمرات وَمَغْفِرَةٌ مِّن رَّبِّهِمْ كَمَنْ هُوَ خَالِدٌ فِي النار وَسُقُواْ مَآءً حَمِيماً فَقَطَّعَ أَمْعَآءَهُمْ } [محمد: 15] أي أن هذا ليس حقيقة الجنة ولكنها مثل فقط يقرب ذلك إلي الأذهان..
لأنه لا توجد ألفاظ في لغات البشر يمكن أن تعطينا حقيقة ما في الجنة.
وقوله تعالى: {غَيْرِ المغضوب عَلَيْهِم}..أي غير الذين غضبت عليهم يا رب من الذين عصوا.
ومنعت عنهم هداية آلإعانة.. الذين عرفوا المنهج فخالفوه وارتكبوا كل ما حرمه الله
فاستحقوا غضبه.

ومعنى {غير المغضوب عَلَيْهِم} أي يا رب لا تيسر لا الطريق الذي نستحق به غضبك. كما استحقه أولئك الذين غيروا وبدلوا في منهج الله ليأخذوا سلطة زمنية في الحياة
الدنيا وليأكلوا أموال الناس بالباطل.

وقول الله تعالى: (ولا الضالين) هناك الضال والْمُضِل..

الضال هو الذي ضل الطريق فاتخذ منهجا غير منهج الله.. ومشى في الضلالة بعيدا عن
الهدى وعن دين الله.. ويقال ضل الطريق أي مشي فيه وهو لا يعرف السبيل إلي ما يريد
أن يصل إليه.. أي أنه تاه في الدنيا فأصبح وليا للشيطان وابتعد عن طريق الله المستقيم..
هذا هو الضال..

ولكن المضل هو من لم يكتف بأنه ابتعد عن منهج الله وسار في الحياة على غير هدى..
بل يحاول أن يأخذ غيره إلي الضلالة.. يغري الناس بالكفر وعدم اتباع المنهج والبعد عن
طريق الله.. وكل واحد من العاصين يأتي يوم القيامة يحمل ذنوبه.. إلا المضل فانه يحمل
ذنوبه وذنوب من أضلهم. مصداقا لقوله سبحانه: {لِيَحْمِلُواْ أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ القيامة
وَمِنْ أَوْزَارِ الذين يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلاَ سَآءَ مَا يَزِرُونَ} [النحل: 25]

أي أنك وأنت تقرأ الفاتحة .. فأنك تستعيذ بالله أن تكون من الذين ضلوا.. ولكن الحق سبحانه وتعالى لم يأتِ هنا بالمضلين. نقول انك لكي تكون مضلا لابد أن تكون ضالا أولا.. فالاستعاذة
من الضلال هنا تشمل الاثنين. لأنك ما دمت قد استعذت من أن تكون ضالا فلن تكون مضلا أبدا.

بقى أن نتكلم عن ختم الفاتحة .
بقولنا آمين أسوة برسول الله صلى الله

عليه وسلم الذي علمه جبريل عليه السلام أن يقول بعد قراءة الفاتحة آمين، فهي من
كلام جبريل لرسول الله صلى الله عليه وسلم وليست كلمة من القرآن.
وكلمة آمين معناها استجب يا رب فيما دعوناك به من قولنا: {اهدنا الصراط المستقيم
صِرَاطَ الذين أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ} أي أن الدعاء هنا له شيء مطلوب تحقيقه. وآمين دعاء
لتحقيق المطلوب.. وكلمة آمين اختلف العلماء فيها.. أهي عربية أم غير عربية.

وهنا يثور سؤال.. كيف تدخل كلمة غير عربية في قرآن حكم الله بأنه عربي..؟
نقول أن ورود كلمة ليست من أصل عربي في القرآن الكريم. لا ينفي أن القرآن كله عربي. بمعنى أنه إذا خوطب به العرب فهموه.. وهناك ألفاظ دخلت في لغة العرب قبل أن ينزل
القرآن.. ولكنها دارت على الألسن بحيث أصبحت عربية وألفتها الآذان العربية.
فليس المراد بالعربي هو أصل اللغة العربية وحدها.. وإنما المراد أن القرآن نزل باللغة
التي لها شيوع على ألسنة العرب. وما دام اللفظ قد شاع على اللسان قولا وفي الآذان سمعا. فإن الأجيال التي تستقبله لا تفرق بينه وبين غيره من الكلمات التي هي من أصل عربي.. فاللفظ الجديد أصبح عربيا بالاستعمال وعند نزول القرآن كانت الكلمة شائعة شيوع الكلمة العربية.

المرجع : خواطر الشيخ محمد متولي الشعراوي تفسير الفاتحة

 

مقالات مشابهة

اترك ردا

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.