قبول الآخر

https://blog.bloggers.cafe/الآخر-والسبانخ/

قبول الآخر. قبول الآخر. قبول الآخر:

قبول الآخر !!،من هو الآخر هذا؟، وكيف أقبله؟، ولماذا أقبله؟

إن كنت من هواة الفحص والتفكيك والتفكير، فغالبا ستكون قد سألت نفسك هذه الأسئلة السابق ذكرها، أما إذا كنت ممن يأخذون الكلام على سجيته فلا مانع من مشاركتنا القراءة للإجابة على هذه الأسئلة وأن تدلو بدلوك إن رأيت شيئا مختلفا عن رؤيتي.

الآخر والسبانخ

في الحقيقة عند تعرضي لهذا المصطلح قبول الآخر لأول مرة كان يوجه بالعديد من الأساليب،

فتارة بأسلوب الوعظ:

“إن ديننا يحثنا على قبول الآخر واحترامه والتعايش معه”

، وتارة بأسلوب الذم:

“أولئك الهمجيون العنصريون الفاشيون الذين يرفضون قبول الآخر علينا جميعا محاربتهم لجعل العالم أفضل!!”

 وتارة بأسلوب الإرشاد:

“يجب علينا كجيل متحضر أن نهتم ب قبول الآخر فهذا ما يميزنا”

وبغض النظر عن الصياغة فالمضمون يظل واحدا والعديد منا يسمعه صباحا ومساء؛ إلا أن ما يجمع هذه الأساليب كلها أنها لم تعط تعريفا أو شرحا جامعا مانعا لطرفي المصطلح “القبول/الآخر“، وكأن المصطلح متضح بذاته لا يحتاج إلى شرح، وأن المتلقي يعلمه جيدا إلا أنه “يسوق الهبل على الشيطنة”

ولكي لا نطيل الأمر أكثر مما يستحق اخترت لكم أكثر الأكلات رعبا في ذكريات طفولة الأغلبية منا ألا وهي “السبانخ” _من الممكن استبدالها بالكوسة أو القلقاس_ ولنفترض أن السبانخ هي الآخر الذي علينا قبوله رغم كراهيتنا له، والآن لنتحدث على الأمر بواقعية وتجرد من أية مصلحة نفعية؛

الآخر والسبانخ-قبول الاخر
أكثر الأكلات رعبا في ذكريات طفولة الأغلبية منا ألا وهي “السبانخ”

كوننا نكره السبانخ هذا حقنا في الحياة بالطبع، لكن للأسف هذا لا يمنع أن هناك العديد من الذين نعدهم عديمي الذوق _في رأينا_ يحبون هذه النبتة الحمقاء، والحق معهم أيضا، فهم يرونها لذيذة الطعم شهية المذاق جمة الفوائد، وبالتالي فليس هناك حكما يرجع إليه في هذه المسألة لأنها داخلة في إطار الذوق والنسبية أيضا؛
إضافة إلى ذلك تخيل على سبيل المثال أن تقوم معارك جدلية وحربا ضروسا من أجل الدفاع عن السبانخ وعن حق تواجد السبانخ على مأدبة الإنسان المعاصر، أو قيام الأحزاب الداعية إلى القضاء على السبانخ لأنها السبب في هبوط آدم _عليه السلام_ من الجنة إضافة إلى عدم تناسقها الجمالي مع الطبيعة؛ هذا على نطاق السبانخ فقط فما بالك مثلا إذا تطرقنا إلى قضية اضطهاد الأفارقة في أمريكا؟ ستكون حقا قيامة لن تقعد وبتعبير شعبي أكثر دقة “جنازة يتشبع فيها لطم”
إذن بكامل الأسف أعلن لكم أنه لا يحق لنا القضاء على السبانخ، وكذلك لا يجوز لنا التخلص من آكليها بإرسالهم إلى الجحيم!!
لابد من حل لهذا اللغز!!

الآخر والسبانخ-قبول الآخر

ولما كان الحل هو قبول “الآخر/السبانخ” كان ذلك مرادفا لقول الممثل الشهير غسان مطر “اعمل الصح”

ما هو الصح إذن؟؟:

بداية كما أننا وضعنا افتراضا للآخر “السبانخ” سنضع افتراضا كذلك للتعامل معه
بطبيعة الحال لا يمكننا نحن كارهي الآخر والسبانخ كذلك أن نمنع بيعها أو تداولها بالأسواق كما أسلفنا سابقا، ففي الحقيقة أن طموح الطعام لم يقف عند حد السبانخ خاصة وأن الله أنعم علينا بالعديد غيرها والذي يغني عنها طعما وفائدة، والآخر أيضا؛
الأمر الآخر أنه لا يمكننا ترك منازلنا لأنهم قرروا طبخ السبانخ لكن يمكننا تجنبها وجعل اليوم يمر بسلام، فقد تمت الطبخة ولا راد لقضاء الله إلا أن الأمر سيختلف قليلا عندما يفرضها عليك “الحاج صاحب البيت” بسياسة “الجزمة” وهنا لا مفر ولا مناص من اتباع سياسة المهادنة والملاينة ما لم تفتح طريقا للحوار أو الهروب متجنبا “الجزمة” و”السبانخ”؛
كذلك ليس من المعقول أن تعق أمك لمجرد أنها تحب وتطبخ السبانخ.

والخلاصة:

أن كل ما مر سابقا يؤدي بنا إلى تقبل الآخر والسبانخ وليس “قبوله/ا”، وبالرغم من أنه لا مشاحة في الاصطلاح كما هو معلوم إلا أن صياغة المصطلح تلزمك ببعض إيحاءاته؛

فصياغة المصطلح مبدوءا باسم الفعل “قبول” توحي بالثبات وعدم التغير سواء على صعيد الأوضاع بينك وبين الآخر، أو على صعيدك الشخصي، أو على صعيد الآخر ذاته إضافة إلى ما يحمله المصطلح من إلزام وجبرية على تقبل الآخر رغما عنك في حين أن طبيعة الإنسان تخاف من كل ما هو مختلف،

 بينما يوحي الفعل “تقبل” بالتغير والتجدد وعدم الإلزامية الأمر الذي يجعل الموضوع من أصله قابلا للطرح والحوار، والأمر ليس لغويا فقط فبالنظر إلى الخصائص التي يتمتع بها الفعل المضارع من التجدد والتغير وعدم الاستمرار اللهم إذا وجد معه من القرائن ما يغير ذلك، كل هذا ينعكس على ممارسات متلقي المصطلح.

ففي حين تكون صياغة “قبول الآخر” معناها الفعلي “فرض الآخر” فهي تحمل في طياتها هيمنة من قبل مرددها لخدمة مصلحة ما سواء لواضع المصطلح أو المنادي به؛

يكون مصطلح “تقبل الآخر” أكثر رحابة وتفتحا يدعو إلى نفسه لا يلزم الآخر به، ويفسح مجالا لتأطير العلاقات ووضع قوانينها وأنظمتها كي لا يكون “حبل على الغارب” كما تقول العامة

من ناحية أخرى لم يقل مصطلح “الآخر” غموضا عن سابقه فمفهوم “الآخر” مطاطي لا أول له ولا آخر، فعلى سبيل المثال هل الآخر هو المختلف عني فكريا، أم جنسيا، أم ثقافيا، أم دينيا؟

ولماذا أقبله؟، وما هو الذي يلزمني أن أقبله؟

بالطبع الآخر المتقبل لوجودي سيختلف كثيرا عن الآخر الغير متقبل لوجودي، وما يزيد الأمر تعقيدا أن التقبل أيا كان نوعه له أطر وحدود إن تخطاها يتحول التقبل إلى فرض وهيمنة وأحيانا إلى الخنوع.

من هنا علينا إعادة النظر في مفهوم التقبل ومفهوم الآخر وإعادة ربط كل هذا بالهوية والمبادئ، فبالرغم أن قبول الآخر مصطلح براق يبدو ظاهره نصيرا للضعفاء والأقليات ومهدري الحقوق إلا أن نفس ذات المصطلح قبول الآخر قناة جيدة لعبور دسائس وحيل جديدة لهدم الثوابت الإنسانية

فبتمرير قبول الآخر مرور الكرام يتحتم علينا وفق الجبرية التي يفرضها شق المصطلح الأول والتي سوف تترسخ في الذهن والممارسة عبر الأجيال قبول الملاحدة ودعاة الشذوذ وأمثالهم وأمثالهم

والأمر أيضا يحتاج إلى وضع قواعد فكرية قبل القواعد اللفظية دون الدخول في معترك هل نحن نفكر باللغة أم عبر اللغة فكل نظرية لها شاذها ومعارضها الأمر الذي لن يجعلنا نحسم القضية خاصة وأنها قضية إنسانية

فإلى حينه

فلا وجود للقبول، ولا للآخر دون معرفة كليهما حق المعرفة.

مقالات مشابهة

اترك ردا

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.